حيدر حب الله
322
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
المذكور آنفا ، ومحاولة تقييد ما دلّ على الرجوع إلى القرآن بالرجوع إليه عن طريق السنّة ، وفاء بما وعدنا به عند الحديث عن الكاشاني ، وهذه الملاحظة هي : هل أن ما يسمّى بالرجوع إلى النص القرآني عبر نص السنّة رجوع في واقعه المعرفي إلى النص القرآني أم هو رجوع في حقيقته إلى نص السنّة لا غير ؟ ! إذا كان نصّ السنة قطعيا مؤكّدا في مصدره ودلالته فبالإمكان حينئذ التأكّد من دلالة النص القرآني ، لأن هذا معناه أننا سمعنا النصّ من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم مباشرة ، وحيث لا فصل بين النبي والقرآن في هذا الإطار كان المدلول القرآني واضحا لنا حينئذ ، فالسنّة الواقعية شارح للقرآن ، والعمل بالقرآن على أساس منها رجوع إلى الكتاب والسنّة معا ، وأمّا إذا ما كانت السنّة ظنية كأخبار الآحاد - كما هو الغالب - فإنّ الرجوع إليها ليس رجوعا إلى قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، بل هو رجوع إلى ما يدّعي أنه يحكي لنا قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، وإذا كان ما يدّعي ذلك حجة مبرءا لذمّتنا العمل به ، فلا يعني ذلك أنه - واقعا - قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، ومن ثم فهذا الفصل المعرفي والواقعي بين السنّة الواقعية والسنّة المنقولة المحكية يمنع عن اعتبار الرجوع للكتاب عبر السنّة المحكية رجوعا له ، وإنما هو في واقعه رجوع للسنّة فحسب . وبهذا يتبيّن لنا أن الرجوع إلى السنّة المحكية ليس رجوعا للقرآن الكريم ، حتى لو كانت هذه السنّة تفسّر القرآن نفسه ، كما يصرّح بأصل المطلب بشكل موجز الميرزا الجيلاني القمّي ( 1231 ه ) في « القوانين المحكمة » وغيره « 1 » ، خلافا لمن حاول أن يردّ ما نسب لبعض الأخباريّين من إنكار مرجعيّة القرآن بالقول مستنكرا : « كيف ينكر الأخباريّون - وهم من المسلمين - دليليّة الكتاب ، وهو أهم مصدر عندهم ؟ ! » « 2 » وهذه نقطة جديرة بالملاحظة ، لأن واحدة من أهم إشكالياتنا المعاصرة في الوسط الإسلامي هي الغفلة عن التفرقة ما بين السنّة الواقعية والسنّة المحكية ، رغم أن دراسات علم أصول الفقه السنّي والشيعي معا أجلت الفرق بين نوعي السنّة هذين من حيث المبدأ « 3 » . وعلى أيّة حال ، ومنذ الحرّ العاملي ، ظهرت أدلّة الكتاب إلى جانب أدلّة السنّة لنصرة نظرية الأخباريين ، مما شكّل تحوّلا جديدا في الصراع الأخباري الأصولي . خامسا : ثمّة تشابه بين تجربة الحرّ العاملي والفيض الكاشاني ، فقد أثار الكاشاني
--> ( 1 ) - الميرزا القمي ، القوانين المحكمة 1 : 383 ؛ والسيد عبد اللّه شبّر ، الأصول الأصليّة : 105 ؛ والسيد محمّد باقر الصدر ، مباحث الأصول 2 : 238 . ( 2 ) - عدنان فرحان ، حركة الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة : 366 . ( 3 ) - انظر على سبيل المثال : كفاية الأصول للآخوند الخراساني : 337 ؛ ونهاية الدراية للمحقّق الأصفهاني 2 : 189 - 191 ؛ وحقائق الأصول للسيد محسن الحكيم 2 : 110 - 111 .